محمد الغزالي

331

فقه السيرة ( الغزالي )

والرّجل إذا فقد وعيه لا يبالي أن ينتحر ، وقد انحرف كبراء مكة عن الصراط السوي ، ولم يكترثوا للمصير القائم الذي ينتظرهم إذا ركبوا رؤوسهم ، فلو اصطدم المسلمون بهم ما قامت لهم قائمة ، ولأصيبت حرمات مكة في صميمها . وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 22 ) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ( 23 ) [ الفتح ] . لكنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كره أن تجري الأمور على هذا النحو ، ورأى أن يعيد محاولاته لإقناع أهل مكة ، بتركه يزور البيت ثم يعود لشأنه . فدعا « 1 » عمر بن الخطاب ليذهب إلى القوم يحدّثهم بما خرج المسلمون فيه ، فقال عمر : يا رسول اللّه ! ليس بمكة أحد من بني عدي يغضب لي إن أوذيت ، فأرسل عثمان بن عفان ، فإنّ عشيرته لا تزال بمكة ، وإنه مبلّغ عنك ما أردت . ودخل ( عثمان ) مكة في جوار قريبه ( أبان بن سعيد بن العاص ) واستطاع أن يبلغ رسالته كاملة ، وأن يفهم من لقيه الحقيقة الكريمة التي جاء المسلمون قاطبة بها ، فكان الردّ الذي حظي به عثمان : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف . فقال : ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! ! . ومما يذكر هنا أنّ مكة لم تخل من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات . كانت قلوبهم معلّقة بالمسلمين المحجوزين خارج مكة . لقد انتشر الإسلام سرا في بيوت كثيرة ، طالما تشوّقت إلى اليوم الذي تستطيع فيه أن تظهر إيمانها ، وتتخلّص من سطوة الكفر عليها . ويظهر أنّ عثمان اتصل بأولئك النفر المؤمن ، وبشّرهم بقرب الفتح ، فرأت قريش أنّ عثمان قد عدا الحدود المعهودة ، وأمرت باحتباسه عندها ، وشاع - لدى المسلمين - أنّ عثمان قتل . [ بيعة الرضوان ] : وحين بلغت هذه الشائعة مسامع النبي عليه الصلاة والسلام قال : لا نبرح حتى نناجز القوم « 2 » .

--> ( 1 ) من تمام القصة عند ابن إسحاق . ( 2 ) ضعيف ، أخرجه ابن إسحاق ؛ وعند ابن هشام : 2 / 229 ، عن عبد اللّه بن أبي بكر مرسلا .